ملا محمد مهدي النراقي

440

انيس المجتهدين في علم الأصول

الفرع وإن لم يستند إلى علّة أصلا ، مثلا قوله صلّى اللّه عليه وآله : « لا يبولنّ أحدكم في الماء الراكد » « 1 » إذا قيس عليه البول في الكوز وصبّه في الراكد ، لم يكن الجمع بينهما بعلّة أصلا ؛ لعدم وجودها نصّا وإيماء ، بل للعلم بعدم الفرق بينهما بشيء يصلح لاختلاف الأحكام . وعلى هذا يلحق قياس العلّة قسمة باعتبار « 2 » معرفة العلّة ، وذلك لأنّ معرفة كون الوصف الجامع علّة ليست ضروريّة ، فلا بدّ لها من طرق ، وتنحصر أوّلا « 3 » في طريقين : الدلالة ، والاستنباط . ونحن نسمّي - لسهولة التفهّم « 4 » - كلّ قياس مدلول العلّة براجح التأثير ، وكلّ قياس مستنبط العلّة بمرجوح التأثير . ثمّ الطريق الأوّل إمّا النصّ ، ويسمّى القياس حينئذ منصوص العلّة ومثاله ظاهر . وإمّا الإجماع ، ككون الصغر علّة لولاية المال ؛ فإنّه علّة لها بالإجماع ، ويقاس عليها النكاح . وإمّا التنبيه والإيماء ، مثاله : ما قال الأعرابي : هلكت وأهلكت ، فقال صلّى اللّه عليه وآله : « ما ذا صنعت ؟ » فقال : واقعت أهلي في نهار رمضان ، فقال : « أعتق رقبة » « 5 » . وهذا يدلّ على أنّ الوقاع علّة للإعتاق . ويأتي تفصيل مراتب التنبيه والإيماء « 6 » . وهذه ثلاثة أنواع ، كلّ واحد منها : إمّا أن يكون اقتضاء الجامع فيه للحكم في الأصل أولى منه في الفرع ، كاقتضاء الإسكار للتحريم في النبيذ ؛ لاقتضائه له في الخمر ، ولا خلاف في كونه قياسا . أو بالعكس ، ويسمّى القياس بالطريق الأولى ، كاقتضاء وجوب كفّ الأذى لتحريم الضرب ؛ لاقتضائه لتحريم التأفيف . أو مساويا ، كاقتضاء عتق الشقص في الأمة لتقويم نصب الشريك على المعتق ؛ لاقتضائه له في العبد .

--> ( 1 ) . كنز العمّال 9 : 354 ، ح 26421 . ( 2 ) . متعلّق ب « يلحق » وقوله : « قسمة » منصوب على التمييز ومفهوم الجملة : أنّ قياس العلّة على هذا يصير من أقسام تقسيم آخر غير التقسيم المذكور والتقسيم الآخر هو تقسيم القياس إلى كون العلّة معلومة أو مستنبطة . ( 3 ) . يكون قوله : « ثمّ الطريق الأوّل » بمنزلة قوله : « وثانيا » . ( 4 ) . في « ب » : « التفهيم » . ( 5 ) . الفقيه 2 : 115 - 116 ، ح 1885 ، وكنز العمّال 8 : 598 ، ح 24322 باختلاف يسير في المصدرين . ( 6 ) . يأتي في ص 447 .